الثعالبي

143

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

وقوله سبحانه : ( وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس ) ، الضمير في ( لهم ) عائد على الكفار ، و ( الشيطان ) : إبليس نفسه ، والذي عليه الجمهور ، وتظاهرت به الروايات أن إبليس جاء كفار قريش ، ففي " السير " لابن هشام : أنه جاءهم بمكة ، وفي غيرها : أنه جاءهم ، وهم في طريقهم إلى بدر ، وقد لحقهم خوف من بني بكر وكنانة ، لحروب كانت بينهم ، فجاءهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم ، وهو سيد من ساداتهم ، فقال لهم : ( إني جار لكم ) ، ولن تخافوا من قومي ، وهم لكم أعوان على مقصدكم ، ولن يغلبكم أحد ، فروي أنه لما التقى الجمعان ، كانت يده في يد الحارث بن هشام ، فلما رأى الملائكة ، نكص ، فقال له الحارث : أتفر يا سراقة ؟ ! فلم يلو عليه ، ويروي أنه قال له ما تضمنته الآية ، وروي أن عمير بن وهب ، أو الحارث بن هشام قال له : أين يا سراق ؟ فلم يلو مثل عدو الله ، فذهب ، ووقعت / الهزيمة ، فتحدثوا أن سراقة فر بالناس ، فبلغ ذلك سراقة بن مالك ، فأتى مكة ، فقال لهم : والله ، ما علمت بشئ من أمركم حتى بلغتني هزيمتكم ، ولا رأيتكم ، ولا كنت معكم . * ت * : قال ابن إسحاق : ذكر لي أنهم كانوا يرونه في كل منزل في صورة سراقة لا ينكرونه حتى إذا كان يوم بدر ، والتقى الجمعان ، نكص عدو الله على عقبيه ، فأوردهم ثم أسلمهم . انتهى من " السيرة " لابن هشام . وقوله : ( إني جار لكم ) أي : أنتم في ذمتي وحمائي ، و " تراءت " : تفاعلت من الرؤية ، أي : رأى هؤلاء هؤلاء . قوله : ( نكص على عقبيه ) ، أي : رجع من حيث جاء ، وأصل النكوص ، في اللغة : الرجوع القهقري . وقوله : ( إني أرى ما لا ترون ) ، يريد : الملائكة ، وهو الخبيث ، إنما شرط أن لا غالب لهم من الناس ، فلما رأى الملائكة ، وخرق العادة ، خاف وفر . وقوله : ( إني أخاف الله ) ، قال الزجاج وغيره : خاف مما رأى من الأمر ، وهو له ، أنه يومه الذي أنظر إليه ، ويقوي هذا أنه رأى خرق العادة ، ونزول الملائكة للحرب .